القرطبي
100
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة : خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : " يا أيها الذين آمنوا " ثم خصه بالنداء ، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : " وإذا ناديتم إلى الصلاة ( 1 ) " [ المائدة : 58 ] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه . وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالاجماع لا من نفس اللفظ قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قول : " من يوم الجمعة " وذلك يفيده ، لان النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة . فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام . ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة . الرابعة : فقد تقدم حكم الاذان في سورة " المائدة " مستوفي . ( 2 ) وقد كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ، يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر . وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة . ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا ( 3 ) على داره التي تسمى " الزوراء ( 4 ) " حين كثر الناس بالمدينة . فإذا سمعوا أقبلوا ، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخطب عثمان . خرجه ابن ماجة في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ، إذا خرج أذن وإذا نزل أقام . وأبو بكر وعمر كذلك . فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء " ، فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام . خرجه البخاري من طرق بمعناه . وفي بعضها : أن الاذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الامام . وقال الماوردي : فأما الاذان الأول فمحدث ، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها . وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن
--> ( 1 ) آية 58 سورة المائدة . ( 2 ) راجع ج 6 ص 224 وما بعدها . ( 3 ) أي أول الوقت عند الزوال . وسماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الاذان بين يدي الامام والإقامة للصلاة . فهو أول باعتبار الوجود ، ثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الانكار . ( 4 ) الزوراء : موضع بالسوق بالمدينة ، قيل إنه مرتفع كالمنارة . وقيل : حجر كبير عند باب المسجد .